18 Feb
18Feb

كتبت ريڤ شعبان في "الأخبار":

لطالما كانت وظائف القطاع العام في لبنان أكثر جذباً للبنانيين إذ تؤمّن مردوداً مقبولاً وامتيازات كالضمان الصحي والمخصصات العائلية وبدلات التعليم والطبابة ونهاية الخدمة أو المعاش التقاعدي، ناهيك عن الأمان الوظيفي. عندما انفجرت الأزمة، انكشف زيف هذه البنية، ودفعت الحاجة إلى تغطية الأكلاف المتزايدة من سلع وخدمات، ذوي الكفاءة والمهارة إلى البحث عن مداخيل أعلى وفتحت موسم «الهريبة» من القطاع العام.

في السنتين الأخيرتين، بعدما أوقف قانون موازنة عام 2019 التوظيف وأجّل شروط التسريح من الإدارة أو الخدمة العسكرية، تكرّرت ظاهرة العمل الثاني «المخفي» أو «الهروب من العمل» في المؤسسات الأمنية. فُتح الباب أمام ظاهرة العمل الثاني للعاملين في القطاع العام، رغم المنع القانوني، من خلال تعطيل الموظفين في الإدارات العامة تحت عنوان ارتفاع كلفة الانتقال إلى العمل، وبغض طرف قيادات القوى الأمنية عن أعمال أخرى يمارسها العسكريون. وبدا وكأن الجميع انتبه إلى أنه وسط الانهيار يجب تجنّب الفوضى غير المنظّمة. أما من وجد لديه الكفاءة للحصول على عمل آخر، فترك القطاع العام نهائياً بعدما تبخّرت، عملياً، رواتب العاملين في القطاع العام على وقع تضخّم الأسعار الذي بلغ 700% بين 2019 و2021، ومعها تبخّرت الامتيازات.

بكثير من الأمل التحق محمد بالجيش رغم أنه «معلّم ألمينيوم». قرض الإسكان لتأمين منزل وغيره من التأمينات كانت عامل جذب له ولكثيرين غيره. بعد الأزمة، و«حتى مع توقيف قرض الإسكان بقي لدي أمل بأن تعود الأمور إلى ما كانت عليه». رغم «التسهيلات» وغض النظر عن ممارسة العسكريين أعمالاً أخرى، إلا أنه «مع مأذونية ثلاثة أيام لا يمكنني إنهاء ورشة». اللحظة التي قرر فيها ترك الجيش، كانت «عندما عُرض عليّ أن أنجز مطبخاً، وكان ربحي يقدّر بـ500 دولار أي ما يساوي راتبي لعام تقريباً، لكنني لم أفز بالورشة لأنني كنت أحتاج وقتاً أطول لإنجازها».

مرّت أربعة أشهر على فرار محمد من الخدمة في إحدى ثكنات بيروت. الهروب كان وسيلته لإلغاء أعباء الانتقال من مكان سكنه في الجنوب إلى مكان عمله. إذ إن أجرة الطريق كانت «تأكل» 800 ألف ليرة شهرياً من راتبه البالغ مليوناً وأربعمئة ألف ليرة، «يعني إيجار الطريق مع جرّة غاز بـ 300 ألف ليرة... طار المعاش». عاد إلى مهنته الأصلية. «مدخول ورشة واحدة يكفيني شهراً. وإذ لم أحصل على ورشة أعمل بالأجرة اليومية مقابل 200 ألف ليرة». يحاول الشاب العشريني عدم التفكير بمسألة إلقاء القبض عليه من قبل الجيش، لكن «لأنني بلا واسطة قد يطول التسريح. حتى لو ألقي القبض علي قبل ذلك سأعاود الهرب».

أما حسين الذي لا يزال في وظيفته، فقد عاد في «مأذونياته» إلى مهنته الأصلية كـ«ميكانسيان»، لتأمين متطلبات أولاده الثلاثة. لكنه لا يستطيع ترك الجيش للسبب نفسه الذي جعله يختار هذه الوظيفة، أي قرض الإسكان والضمان الصحي لوالديه، فضلاً عن أن 17 عاماً في الوظيفة «حرام أن تذهب سدى من دون تأمينات التقاعد وغيرها».

على عكس محمد وحسين، ليس لدى محمود مهارة تتيح له الهرب من وظيفته. وهو بعد 7 سنوات في الخدمة، يقف أمام نفق مظلم خائفاً أن يخطو لتأسيس مهنة جديدة يجهل مصيرها في ظل الأزمة.

نماذج الهاربين من القطاع العام كثيرة، من بينهم الأساتذة. تركت عبير وظيفتها معلمة في إحدى الثانويات الرسمية في الجنوب، واختارت بعد 13 عاماً الهجرة بعدما تمكن زوجها، الضابط في الجيش، من الحصول على فرصة عمل في فرنسا. «هنا، لا أمل ولا مستقبل. أطفالنا يستحقون الأفضل بعيداً عن هذا البلد».

تتشابه قصص الهاربين. الكل يسعى نحو تلبية حاجاته المعيشية. معدلات البطالة ترتفع، ومن يتمكن من الهجرة سيفعل سواء في القطاع العام أو الخاص، أما ما تروّج له السلطة عن مساعدات فليست إلا «مسكّنات» لأزمة ربما لم تبلغ ذروتها بعد.

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.